ابن خلكان
459
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
قال شبيب : كنت أسير في موكب أمير المؤمنين أبي جعفر فقلت : يا أمير المؤمنين رويدا فإني أمير عليك ، فقال : ويلك ، أمير عليّ ؟ قلت : نعم ، حدثني معاوية بن قرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أقطف القوم دابة أميرهم ، فقال أبو جعفر : [ أعطوه دابة فهو ] أهون من أن يتأمر علينا . وقال أيضا : قال لي أبو جعفر وكنت في سمّاره : يا شبيب عظني وأوجز ، فقلت : يا أمير المؤمنين إن اللّه عز وجل قسم الدنيا فلم يرض لك إلا بأرفعها وأشرفها فلا ترض لنفسك من الآخرة إلا مثل الذي رضي لك من الدنيا ، وأوصيك بتقوى اللّه عز وجل فإنها عليكم نزلت وعنكم أقبلت وإليكم صدرت . قال : لقد أوجزت وقصرت . قلت : واللّه لئن قصرت فما بلغت كنه النعمة فيك . وخرج شبيب من دار المهدي فقيل له : كيف تركت الناس ؟ قال : تركت الداخل راجيا والخارج راضيا . وقال حماد بن سلمة : كان شبيب بن شيبة يصلي بنا في المسجد الشارع في مربعة أبي عبيد اللّه ، فصلّى يوما الصبح فقرأ بالسجدة و هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ فلما قضى الصلاة قام رجل فقال : لا جزاك اللّه عني خيرا فإني كنت غدوت لحاجة فلما أقيمت الصلاة دخلت أصلي فأطلت حتى فاتتني حاجتي . قال : وما حاجتك ؟ قال : قدمت من الثغر في شيء من مصلحته وكنت وعدت البكور إلى الخليفة لأتنجز ذلك ، قال : فأنا أركب معك ، وركب معه ودخل على المهدي فأخبره الخبر وقصّ عليه القصة ، قال : فتريد ماذا ؟ قال : قضاء حاجته ، فقضى حاجته وأمر له بثلاثين ألف درهم فدفعها إلى الرجل ، ودفع له شبيب من ماله أربعة آلاف درهم وقال له : لم تضرك يا أخي السورتان . وقال الأصمعي : كان شبيب بن شيبة رجلا شريفا يفزع إليه أهل البصرة في حوائجهم ، وكان يغدو في كل يوم ويركب ، فإذا أراد أن يغدو أكل من الطعام شيئا ثم يركب ، فقيل له : إنك تباكر الغداء ، فقال : أجل أطفىء به فورة الجوع وأقطع به خلوف فمي وأبلغ به في قضاء حاجتي ، فاني وجدت خلاء الجوف وشهوة الطعام يقطعان الحكيم عن بلوغ حاجته ويحمله ذلك على